الخطيب الشربيني
196
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
لهم بما بث في قلوبهم من أنواره وأشرق في صدورهم من أسراره ، فهم يضعون الأشياء مواضعها ، روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « العالم الذي عقل عن الله وعمل بطاعته واجتنب سخطه » « 1 » قال البغويّ : والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأوّل يريد أمثال القرآن التي يشبه بها أحوال كفار هذه الأمّة بأحوال كفار الأمم المتقدّمة . ولما قدّم تعالى أنه لا معجز له سبحانه ولا ناصر لمن خذله استدل على ذلك بقوله تعالى : خَلَقَ اللَّهُ أي : الذي لا يدانى في عظمته السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي : الأمر الذي يطابقه الواقع ، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل ، أو بسبب أنه محق غير قاصد به باطلا فإنّ المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الجود والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي : دلالة ظاهرة على قدرته تعالى لِلْمُؤْمِنِينَ واختص المؤمنون بذلك لأنهم المنتفعون به . ثم خاطب تعالى رأس أهل الإيمان بقوله تعالى : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ أي : القرآن الجامع لكل خير لتعلم أن نوحا ولوطا وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة ، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة ، وهذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلم . ولما أرشد تعالى إلى مفتاح العلم دلّ على قانون العمل بقوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ أي : التي هي أحق العبادات ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى أي : توجد النهي وتجدّده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها عَنِ الْفَحْشاءِ أي : عن الخصال التي بلغ قبحها وَالْمُنْكَرِ وهو ما لا يعرف في الشرع ، فإن قيل : كم من مصلّ يرتكب الفحشاء ؟ أجيب : بأنّ المراد الصلاة التي هي الصلاة عند الله تعالى المستحق بها الثواب بأن يدخل فيها مقدّما للتوبة النصوح متقيا لقوله تعالى : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ المائدة ، 27 ] ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح ، فقد روي عن حاتم : كأنّ رجليّ على الصراط والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت من فوقي وأصلي بين الخوف والرجاء ، ثم يحوطها بعد أن يصليها ولا يحبطها فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وقال ابن مسعود وابن عباس : إن الصلاة تنهى وتزجر عن معاصي الله عز وجل فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله تعالى إلا بعدا ، وقال الحسن وقتادة : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه ، وقيل من كان مراعيا للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوما ما ، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال : « إن صلاته لتردعه » « 2 » . وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه فوصف له فقال : إنّ صلاته ستنهاه فلم يلبث أن تاب ، وقال ابن عوف : معنى الآية إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها ، وعلى كل حال فإنّ المراعي للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها ، وأيضا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر ،
--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في المطالب العالية 3294 ، وابن عراق في تنزيه الشريعة 2 / 214 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 447 ، بلفظ : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق . قال : « إنه سينهاه ما يقول » .